• ×

10:25 صباحًا , السبت 22 فبراير 2020

رسالة اليوم العالمي للمسرح 2020 .. ترجمة سامي الزهراني أمين عام مكتب الهيئة الدولية للمسرح iti بالمملكة

الشبكة الإعلامية السعودية_سماء الشريف في اليوم الـ 27 من مارس من كل عام، يحتفل العالم بـ ( اليوم العالمي للمسرح ) ، وذلك من خلال عدد كبير ومتنوع من الأنشطة والفعاليات الخاصة .
وقد جرى العرف أن يتم اختيار شخصية إبداعية ومسرحية لكتابة كلمة خاصة بهذه المناسبة تقدم في نفس اليوم ، وتُعمم على جميع المؤسسات المسرحية في العالم .

هذا العام كان الكاتب الباكستاني شهيد نديم هو الشخصية الإبداعية التي تم اختيارها لكلمة المسرح في يومه ،
وترجمها للعربية الأستاذ ( سامي الزهراني ) أمين عام مكتب الهيئة الدولية للمسرح iti بالمملكة العربية السعودية رئيس فرقة مسرح الطائف، وقام بنشرها لكل المسرحيين العرب :


( المسرح المزار )

شرف لي شخصياً أن أكتب رسالة اليوم العالمي للمسرح 2020، أشعر بالتواضع والإثارة للاعتراف بالمسرح الباكستاني بل بكل الباكستان من قبل الهيئة العالمية للمسرح iti التي تشرف وتهتم بالمسرح في أنحاء العالم وفي مختلف الأوقات، هذا الشرف الغالي هو تحيه وإهداء لشريكة حياتي مؤسسة مسرح اجوكا أيقونة المسرح مديحة جوهر (1) التي رحلت عن الدنيا قبل عامين .

تأسيس فريق اجوكا المسرحي (2) لم يكن سهلاً بل هو صراع مستمر وتحدٍ للصعاب بدأ من الشارع وانتهى بالمسرح، قصة فريق اجوكا هي قصة أغلب الفرق المسرحية في الباكستان .

جئت من بلد يقطنه أغلبية مسلمة شهد حكم العديد من الديكتاتوريات العسكرية، هجوم المتطرفين الدينية، ثلاثة حروب مع الهند التي تشاركنا الجوار، التاريخ، التراث منذ آلاف السنين وما زلنا نعيش حالة الخوف من الحرب النووية معها لأن كلا البلدين يمتلكان أسلحة نووية .

( الأوقات السيئة هي وقت جيد للمسرح ) هذه المقولة نذكرها أحياناً عندما تشتد المصاعب، عدد لا محدود من الصعاب نواجهها، تناقضات يجب الكشف عنها، وضعنا الراهن نتعرض فيه للتدمير، كل هذه الأمور كوّنت حبلاً مشدوداً بين طرفين لا نزال أنا وفريقي المسرحي اجوكا منذ 36 عاماً نحاول التوازن والعبور من عليه .

هذا الحبل المشدود جعلنا نوازن بين الترفيه والتعليم، التعلم من الماضي والإعداد للمستقبل، التعبير الحر الإبداعي والمغامرة بالتعبير ضد السلطة، المسرح الاجتماعي الناقد والمسرح الربحي، الوصول الى الجمهور وكيف تصبح طليعياً، قد يقول المرء إن صانع المسرح يجب أن يكون ساحراً أو مشعوذاً ليستطيع أن يخلق هذا التوازن .

في الباكستان هناك فصل واضح بين المقدس والمحرم، المحرم الذي لا يوجد فيه مكان للأسئلة الدينية، المقدس الذي لا يحبذ النقاشات المفتوحة والأفكار الجديدة، في حقيقة الأمر المؤسسات المحافظة تعتبر الفن والثقافة فعل خارج حدود القداسة، لهذا أصبحت ساحة الأداء التمثيلي المسرحي ساحة مليئة بالعقبات والعثرات، أصبح من الضروري على جميع الفنانين المسرحيين أن يثبتوا للجميع أنهم مسلمين ومواطنين صالحين اولاً ، ثم عليهم ثانياً بعد ذلك إثبات أن المسرح والموسيقى والرقص فعل مباح في الإسلام، عدد كبير من المسلمين الملتزمين بدينهم لديهم تردد في التعامل مع المسرح مع أنهم يتعاملون ويتكيفون مع بعض مكونات المسرح في حياتهم اليومية كالرقص والموسيقى، أتت بعد ذلك مرحلة أخرى أصبحت ايضاً حجر عثرة أمام مسيرة المسرح وهي ثقافة فرعية سمحت بوضع المقدس والمحرم على خشبة المسرح .

عام 1980م وخلال الحكم العسكري في الباكستان انطلقت فرقة اجوكا من خلال مجموعة من الشباب تحدوا وعارضوا الديكتاتورية العسكرية بواسطة مسرح اجتماعي سياسي جريء، الشاعر الصوفي(3) (بُلهي شاه)(4) الذي عاش قبل ٣٠٠ عام استطاع من خلال شعره ان يعبر عن مشاعر الغضب والألم بشكل مدهش لهؤلاء الشباب، قامت فرقة اجوكا بالاستفادة من هذا الامر بالتعبير عن نفسها سياسياً من خلال شعر الشاعر (بُلهي شاه) متحديه بذلك السلطة السياسيه الفاسدة وتعصب المؤسسة الدينية التي كانت من الممكن أن تعاقبهم او تنفيهم من البلاد لكنهم امنوا بأن هذه السلطة لا تستطيع ان تمحي او تشوه تأريخ هذا الشاعر ، حياة الشاعر (بُلهي شاه) درامية وأصولية اثرت في شعرة كثيراً، أصدرت في حقة الكثير من الفتاوي والعقوبات في عصره .
حياة الشاعر (بُلهي شاه) الذي يصنف من شعراء البنجاب الذين كانوا ضد سلطة الأباطرة الجائرة والديماغوجية الدينية بلا خوف، صراعاته الحياتية لغته البسيطة الشعبية شعره الذي ينبض بتطلعات الشعب دفعتني لكتابة نص مسرحي عن هذا الشاعر اخترت له اسم (بُلهي) .
داخل هذا النص استخدمت الموسيقى والرقص كأدوات تتيح التواصل المباشر مع الله دون اي وسيط، تحديت الفصل مابين الذكر والأنثى، نظرت بإعجاب الى كوكب الأرض كأحد الدلائل لوجود الذات الإلهية .

مجلس الفنون في لاهور رفض اجازة النص تماماً علتهم في ذلك أن النص لم يكن نص مسرحي إنما سيرة ذاتية للشاعر (بُلهي شاه)، فاتجهت لمعهد جوته الذي أجاز النص وتم عرض المسرحية للجمهور الذي تفاعل بالتقدير والتفهم للرمزية في النص لانها تتقاطع مع حياتهم الواقعية لذلك سمي الشاعر (بُلهي شاه) بشاعر الناس .

ولد يوم عرض المسرحية الأول شكل جديد من أشكال المسرح عام 2001م مزج ما بين موسيقى القوالي(5) التعبديه مع رقصة الدهمال (6) الصوفية، قصائد الشعر الملهمة، ترانيم الذكر(7) التأملية، هذه العناصر أصبحت رئيسة في العرض المسرحي، صادف عرض المسرحية الأول تجمعاً لمجموعة من السيخ(8) الهنود لحضور مؤتمر عن البنجاب فتسللت هذه المجموعة لمشاهدة مسرحية (بُلهي) بعد نهاية المسرحية صعدت المجموعة لعناق وتقبيل الممثلين على خشبة المسرح وسط نوبة من البكاء فقد كان الشاعر (بُلهي شاه) عزيزاً على السيخ كما هو عند المسلمين البنجاب، اعتبر هذا الموقف أول مشاركة مسرحية ولقاء مابين السيخ والمسلمين بعد تقسيم الهند عام 1947م(9) الذي نتج عنه تقسيم اقليم البنجاب ما بين الهند والباكستان تجاوزوا به كل الانقسامات الدينية والطائفية .

بعد هذا العرض التاريخي للمسرحية الذي لا ينسى انطلقت مسرحية (بُلهي) بمجموعة من العروض في الجزء البنجابي للهند وأمتدت العروض لتغطي الهند طولاً وعرضاً وفي كل مكان حتى في المناطق التي لايستطيع أهلها أن يفهموا البنجابية ولكنهم احبوا كل تفاصيل العرض المسرحي هناك، استمرت المسرحية في عروضها في الهند في ظل التوترات مابين الباكستان والهند وإغلاق كل أبواب الحوار مابين البلدين، فُتحت أبواب القاعات المسرحية وقلوب الشعب الهندي على مصرعيها لمسرحية (بُلهي)، في أحد عروض المسرحية في مناطق البنجاب الهندية الريفية تقدم رجل عجوز نحو الممثل الرئيس المنوط بدور الشاعر الصوفي (بُلهي شاه) في المسرحية يرافقه حفيده الصغير المريض وطلب من الممثل أن يدعوا للطفل بالشفاء، تنحى الممثل جانباً وقال له -باباجي-(10) يا ابي أنا لست (بُلهي شاه) أنا ممثل فقط، بدء الرجل العجوز بالبكاء وأصر على الممثل أن يدعوا للطفل بالشفاء وقال له أنا اثق انك اذا دعوت له سوف يشفى، أشرنا جميعاً للممثل أن يقوم بالدعاء للطفل لتحقيق أمنيه هذا الرجل العجوز، قام الممثل بالدعاء للطفل بالشفاء وقبل أن يخرج الرجل العجوز التفت صوب الممثل وقال له " يا ابني أنت لست ممثلاً أنت تجسد شخصية افتار (11) الشاعر العظيم بُلهي شاه " بعد هذه المقولة من هذا الرجل العجوز تكون لدينا مفهوم جديد عن الاداء المسرحي من خلال الدراسة الواعية لتأريخ الشخصية المسرحية التي سوف يقوم بتجسيدها الممثل او الممثلة في الفريق المسرحي، لاحظنا خلال رحلتنا لعرض مسرحية (بُلهي) التي استمرت 18 عاماً ردات فعل مشابهه لردة فعل الرجل العجوز عند جمهور العامة من الناس، فالاداء المسرحي ليس فقط تجربة مسليه او محفزة فكرياً بل هو لقاء روحي مابين الممثل والجمهور، موقف الرجل العجوز تأثر به الممثل المجسد لشخصية الشاعر (بُلهي شاه) فأصبح شاعراً صوفياً ونشر مجموعتين من القصائد، تأثر طاقم العمل التمثيلي بهذا المفهوم وأصبحوا يشعرون بروح الشاعر (بُلهي شاه) بينهم ومعهم عند بداية العرض المسرحي هذا التأثر رفع من مستوى الاتقان لكل الممثلين بالعرض الذي بدورة انتقل للجمهور وقد تأثر احد العلماء في الهند بالعرض فوضع عنوناً للعرض " عندما يصبح المسرح مزار " .

أنا شخص مدني واهتمامي بالصوفية ثقافي بالأساس اهتم بالجوانب الادائية والفنية لشعراء البنجاب الصوفين وهناك جمهور لديه معتقدات دينية صادقة لا تدعوا الى التطرف والتعصب .
هناك العديد من القصص المشابهه لقصة الشاعر (بُلهي شاه) في مختلف الثقافات حول العالم تنتظر الاكتشاف والبحث لتكون جسراً بيننا نحن المسرحيين وبين الجمهور المتحمس لهذه القصص فهو جمهور غير معروف بالنسبة لنا، معاً يمكننا ان نكتشف الجوانب الروحية في المسرح وبناء جسور مابين الماضي والحاضر تقودنا للمستقبل تقودنا الى مصير المجتمعات التي تتكون من المؤمنين وغير المؤمنين، الممثلين وكبار السن، والأحفاد .

السبب في مشاركة قصة الشاعر (بُلهي شاه) والغوص في داخل المسرح الصوفي معكم، هي فلسفتنا تجاه المسرح التي تحملنا تجاه الإرهاصات الاجتماعية المتغيرة لمجموعة كبيرة من الجماهير والتي نعبر عنها عبر الاداء المسرحي على خشبة المسرح، تحديات العصر الحالي تحرمنا احياناً من التحرك نحو تجربة روحية عميقة جديدة يمكن للمسرح ان يوفرها لنا .
عالمنا اليوم يكثر فيه التعصب، الكراهية، العنف، الأمم تحرض بعضها على بعض، المؤمنين يقاتلون المؤمنين، المجتمعات تبث الكراهية، الأطفال يموتون من سوء التغذية، الأمهات يمتن اثناء الولادة بسبب عدم وجود رعاية طبية جيدة، أيدلوجية الكراهية تزيد وتزدهر .

كوكبنا اليوم يغرق أكثر وأكثر تحت مناخ كارثي من الحروب، المجاعات، الموت، كل هذا يحدث صمتاً رهيباً تستطيع من خلاله أن تسمع وقع حوافر خيول الفرسان الأربعة(12) في الطرف الآخر من العالم هذا يُنبىء بالفعل بنهاية العالم، نحن بحاجة في هذه الأيام لتجديد قوتنا الروحية نحن بحاجة لمحاربة اللامبالاة، الخمول، التشاؤم، الجشع، محاربة من يتجاهل عالمنا الذي نعيش به، الكوكب الذي نعيش عليه .

للمسرح دور نبيل من خلال إعطاء مساحة الأداء والاهتمام بقيمة خشبة المسرح والسعي لتحويلها لخشبة مقدسة تعطي طاقة، حيوية، تعبئة بشرية لعدم السقوط في الهاوية .

الفنان المسرحي في جنوب آسيا يشعر بحساسية خشبة المسرح قبل أن يصعد عليها، يساعده على إتمام ذلك تقليد قديم يمزج بين الروح والثقافة، حان الوقت لاستعادة العلاقة التكاملية مابين الفنان المسرحي والجمهور، مابين الماضي والمستقبل، العمل في المسرح هو عمل مقدس، وللرفع من قيمة الأعمال المسرحية الروحية يجب على الممثلين التعمق في الشخصية وتاريخها، أخيراً المسرح لديه القدرة ليتحول إلى مزار للأداء الروحي .

مراجع :

1- مديحة جوهر (1956-2018): مخرجة مسرحية، ممثلة، نسوية، مؤسسة مسرح أجوكا، حائزة على ماجستير في المسرح من كلية رويال هولواي بلندن، حاصلة على وسام التميز من حكومة باكستان وجائزة الأمير كلوز من هولندا .
2- مسرح أجوكا: أنشئ في عام 1984م وتعني كلمة أجوكا "المعاصرة" في البنجابية، مضمون مواضيع مسرحيات هذه الفرقة حول التسامح الديني، السلام والعنف، حقوق الإنسان .
3- الصوفية: تقليد الإسلامي يسعى إلى العثور على حقيقة الحب الإلهي من خلال تجربة شخصية مباشرة مع الله، اصبح هذا التقليد شائعًا بسبب تبشيره بالأخوة العالمية، معارضته للتطبيق العقائدي الصارم للتعاليم الدينية. الشعر الصوفي يتم تقديمه في الغالب مع الموسيقى ، وهو عبارة عن تعبير روحاني داخلي من خلال الحب الأبدي .
4- بُلهي شاه : ( 1680م -1757م ) شاعر بنجابي صوفي، كتب مواضيع فلسفية معقدة بلغة بسيطة، انتقد العقيدة الدينية المتشددة والنخبة الحاكمة ، هجر ونفي من مدينة كاسور لاتهامه بالابتداع الديني ولم يدفن في مقابر المدينة، له شعبية جارفة بين المطربين الشعبين .
5- القوالي: شعر صوفي تعبدي قدمه مجموعة من المطربين المزارات الصوفية يؤدي بالمستمعين لهذا النوع من الغناء لحالة من النشوة .
6- الدهمال : رقص على الطبول يمارس في المزارات الصوفية يؤدي الى النشوة .
7- الذكر: تلاوة الادعية التعبدية بشكل إيقاعي جماعي لتحقيق التنوير والتطهير الروحي .
8- السيخ: أتباع الديانة السيخية ، التي أسسها جورو ناناك في البنجاب في القرن الخامس عشر .
9- 1947م انفصلت الباكستان عن الهند وسط مذابح جماعية غير مسبوقة وهجرة جماعية للسكان .
10- باباجي: تعبير عن احترام الرجل المسن .
11- افتار : نسخة تظهر على الأرض من الإله حسب الثقافة الهندوسية .
12- الفرسان الأربعة: يصف جون أوف باتموس في كتابه ( الوحي ) أربعة فرسان في نهاية العالم هذا الكتاب يعتبر آخر كتاب في العهد الجديد، في معظم الروايات يُنظر إلى الفرسان الأربعة على أنهم يمثلون الاحتلال، الحرب، المجاعة، الموت على التوالي .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إدارة التحرير

القوالب التكميلية للأخبار